الذهبي

314

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ترقت به الحال إلى أن ولاه السُّلطان محمود بن محمد إمرة المَوْصل والرَّحْبة ، ثم ولاَّه شحنكية بغداد إلى أن عُزِلَ عنها في سنة ثمان عشرة ، وسار إلى الموصل ، فكاتبه الحلبيون إلى حلب لما حصرهم الفرنج ، فسار إليهم وترحَّل الفرنج عنها فملكها في ذي الحجة من السنة . وكان بلك بن بهرام بن أرتق قد قتل بمنبج فتملك ابن عمِّه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق . وكان بغدوين ملك الفرنج أسيراً في يد بلك فاشترى نفسه من تمرتاش وهادنَهُ واتفق موت والده شمس الدولة إيلغازي صاحب ماردين ، فتوجه ابنه إليها ، واشتغل بملكها ، فغدر بغدوين واتفق مع دُبيس بن صدقة وإبراهيم بن رضوان بن تتش فنازلوا حلب وطال الحصار حتى أكلوا الجيف ووقع فيهم الوباء بحلب وهم مع ذلك ثابتو الجأش في القتال ، فأغاثهم الله بقسيم الدولة ؛ وذلك أن أهل حلب اتفقوا وأخرجوا في اللَّيل قاضيهم أبا غانم والشريف زُهْرة وابن الحلِّي إلى تمرتاش صاحب حلب وهو بماردين ، فلما أصبح الصَّباح صاح الفرنج : أين قاضيكم أين شريفكم ، فما شكَّ النَّاس أنهم قد أُسروا . فوصل منهم كتاب بأنهم فاتوا الفرنج فقدموا على حسام الدين تمرتاش ، فأخذ يماطلهم ويسوفهم إلى أن قال مرة : خلُّوهم إذا أخذوا حلب عُدتُ وأخذتُها ، فقلنا : لا تفعل ولا تسلم المسلمين إلى عدوهم . فقال : كيف أقدر على لقائهم ؟ فقال القاضي أبو غانم : وأيش هم حتى لا تقدر عليهم . ثم لما خاف أن ننفصل عنه إلى غيره رسم علينا من يحفظنا ، فأعملنا الحيلة في الهرب إلى الموصل إلى آقسنقر ، فتحدثنا مع من يُهَرِّبُنَا وكان للمنزل الذي نحن فيه باب يصرُّ عظيماً إذا فُتِحَ فطرحنا فيه زيتاً وواعدنا الغِلْمان أن يأتونا بالدَّواب ، وكان الثَّلج كثيراً . قال أبو غانم : فنام الموكلون بنا ، وجاء الغلمان إلا غلامي ياقوت ، فأخبروا أن قيد الدابة تعسر عليه ، فضاقت صدورنا ، فقلت لأصحابي : امضوا أنتم ولا تنتظروني . ثم جاءني ياقوت بالدَّابة سحَرًا ، فركبت ولا أعرف الطريق ، ثم قصدت الجهة ، فلما طلع الضَّوء إذا أنا وأصحابي في مكان واحد ، وكانوا قد ضلُّوا عن الطَّريق ، فصلينا الصُّبح وسُقنا ، فجئنا فإذا البُرْسقي مريض ، وقد تماثل ولكنه ضعيف ، فطلبنا منه أن يغيث المسلمين وذكرنا له ما حلَّ بهم من الحصار والضِّيق والقلّة ، فقال : كيف لي بالوصول إليهم وأنا هكذا ؟ فقلنا : يجعل المولى في نيَّته وعزمه إن خلَّصه الله أن ينصرهم . فقال : إي ، والله ، ثم